عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

298

اللباب في علوم الكتاب

الثالث : أنّه منصوب على الظّرف . قال ابن عطيّة : « ويصحّ أن يكون أربعين ظرفا من حيث هي عدد أزمنة » ، وفي هذا نظر ، كيف يكون ظرفا للتّمام ، والتّمام إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة ؟ إلا بتجوّز بعيد ، وهو أنّ كلّ جزء من أجزاء الوقت سواء كان أولا أم آخرا إذا نقص ذهب التّمام . الرابع : أن ينتصب على التّمييز . قال أبو حيّان « 1 » : والأصل : فتمّ أربعون ميقات ربّه ، ثمّ أسند التّمام إلى ميقات وانتصب أربعون على التّمييز . فهو منقول من الفاعليّة ، يعني فيكون كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] وهذا الذي قاله وجعله هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في الرّدّ على الحوفيّ ؛ حيث قال هناك « إنّ الثلاثين لم تكن ناقصة ، فتتمّ » لذلك ينبغي أن يقال هنا : إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم فكيف يقدّر : فتمّ أربعون ميقات ربّه ؟ فإن أجاب هنا بجواب ، فهو جواب هناك لمن اعترض عليه . وقوله : فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً في هذه الجملة قولان . أظهرهما : أنّها للتأكيد ؛ لأنّ قوله قبل ذلك : « وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ » فهم أنّها أربعون ليلة . وقيل : بل هي للتّأسيس ، لاحتمال أن يتوهّم متوهّم بعشر ساعات ، أو غير ذلك ، وهو بعيد . وقوله ربّه ولم يقل : ميقاتنا جريا على « واعدنا » لما في إظهار هذا الاسم الشّريف من الاعتراف بربوبية اللّه له وإصلاحه له . فصل [ في بيان كيفية نزول التوراة ] روي أنّ موسى - عليه الصّلاة والسّلام - وعد بني إسرائيل وهو بمصر : إن أهلك اللّه عدوّهم ؛ أتاهم بكتاب من عند اللّه فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلمّا هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فهذه الآية في بيان كيفية نزول التّوراة . فصل [ في تفصيل أيام الصوم ] فإن قيل : « الأربعون » المذكورة في البقرة : هي هذه الأربعون المفصّلة ههنا ، فما فائدة التّفصيل ؟ فالجواب من وجوه : الأول : أنّه تعالى أمر موسى بصوم ثلاثين يوما ، وهو شهر ذي القعدة فلمّا تمّ الثّلاثين أنكر خلوف فيه فتسوّك فقالت الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك ؛ فأفسدته بالسّواك ، فأوحى اللّه إليه أما علمت أنّ خلوف فم الصّائم أطيب عندي من ريح

--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 379 .